الشيخ محمد رشيد رضا

157

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ومناجزتهم هناك وأن الشبان ومن لم يشهد بدرا كانوا يلحون في الخروج . لهذا قال مجاهد : ان هذه الآية عقاب لرجال غابوا عن بدر فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه فيصيبوا من الخير والاجر مثل ما أصاب أهل بدر فلما كان يوم أحد ولى منهم من ولى فعاتبهم اللّه . وروى نحو ذلك عن غيره منهم الربيع والسدى . وروى عن الحسن أنه قال بلغني أن رجالا من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يقولون : لئن لقينا العدو مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لنفعلن ولنفعلن ، فابتلوا بذلك فلا واللّه ما كلهم صدق ، فأنزل اللّه عز وجل « وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ » فأطلق الحسن ولم يخص من لم يشهد بدرا وهو الصواب فان الذين كانوا يتمنون القتال كثيرون قلنا إن هذه أظهرت للمؤمنين تأويل قوله تعالى في ايمانهم وجهادهم وصبرهم وعلمتهم كيف يحاسبون أنفسهم ويمتحنون قلوبهم . وبيان ذلك أنهم تمنوا القتال أو الموت في القتال لينالوا مرتبة الشهادة ، وقد أثبت اللّه لهم هذا التمني وأكده بقوله « وَلَقَدْ » فلم يكن ذلك منهم دعوى قولية ولا صورة في الذهن خيالية بل كان حقيقة واقعة في النفس ولكنها زالت عند مجىء دور الفعل وهذه مرتبة من مراتب النفس في شعورها وعرفانها هي دون مرتبة الكمال الذي يصدقه العمل وفوق مرتبة التصور والتخيل مع الانصراف عن تمنى العمل بمقتضاه أو مع كراهته والهرب منه - كما يتوهم بعض الناس أنه يحب ملته ووطنه ولكنه يهرب من كل طريق يخشى أن يطالب فيه بعمل يأتيه لأجلهما أو مال يعاون به العاملين لهما أو يكون خالى الذهن من الفكر في العمل أو البذل لاعلاء شأن هذا المحبوب أو كف العدوان أو الشر عنه فهاتان مرتبتان دون مرتبة من يتصور أنه يحب ملته ووطنه ويفكر في خدمتهما ويتمنى لو يتاح له ذلك حتى إذا احتيج إلى خدمته التي كان يفكر فيها ويتمناها وجد من نفسه الضعف فأعرض عن العمل قبل الشروع أو بعد أن ذاق مرارته وكابد مشقته ، وانما المطلوب في الايمان ما هو أعلى من هذه المرتبة ، المطلوب فيه مرتبة اليقين والاذعان النفسي التي من مقتضاها العمل مهما كان شاقا والجهاد مهما كان عسرا والصبر على المكاره وايثار